- هذه المادة مصنفة كـ قصة ميدانية.
- وقت القراءة التقريبي: 1 دقيقة.
- عدد الكلمات التقريبي: 0.
- تتضمن صورة داعمة للسرد البصري.
في أحد أحياء مدينة غزة القديمة، كانت أم أحمد تحتفظ بصندوق خشبي صغير فوق خزانتها منذ سنوات طويلة. لم يكن أحد يقترب من الصندوق أو يسأل عما بداخله، لأنها كانت كلما فتحته تدمع عيناها. داخل الصندوق كانت توجد صور قديمة ورسا...
في أحد أحياء مدينة غزة القديمة، كانت أم أحمد تحتفظ بصندوق خشبي صغير فوق خزانتها منذ سنوات طويلة. لم يكن أحد يقترب من الصندوق أو يسأل عما بداخله، لأنها كانت كلما فتحته تدمع عيناها.
داخل الصندوق كانت توجد صور قديمة ورسائل صفراء اللون كتبها ابنها أحمد عندما كان طالباً جامعياً. كان يكتب لها دائماً بخط جميل وواضح:
"أمي، لا تقلقي عليّ، سأعود قريباً."
كانت الرسائل تصل تباعاً، ثم توقفت فجأة.
مرت السنوات، وكبرت أخواته الصغيرات، وشاب شعر والده، لكن أم أحمد لم تتوقف عن الاحتفاظ بالصندوق.
في كل مناسبة عائلية كانت تخرج صورة أحمد وتضعها على الطاولة. كان الأطفال الذين لم يروه قط يعرفون ملامحه كما يعرفون ملامح آبائهم.
وذات يوم، وبينما كانت ترتب محتويات الصندوق، سقطت رسالة قديمة لم تكن قد قرأتها من قبل. كانت عالقة بين صورتين منذ سنوات طويلة.
فتحتها بيدين مرتجفتين.
كان أحمد قد كتب فيها:
"إذا وصلت هذه الرسالة متأخرة، فأريدك أن تعرفي أن كل ما تعلمته منك هو ما جعلني أستمر. علمتني أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة، لكنه لا يجب أن يخسر إنسانيته أبداً."
جلست أم أحمد تبكي طويلاً وهي تقرأ الكلمات.
لم تكن الرسالة تحمل خبراً جديداً، لكنها حملت لها شيئاً كانت تحتاجه منذ سنوات: شعوراً بأن صوت ابنها ما زال موجوداً.
في تلك الليلة، جمعت أحفادها وقرأت الرسالة لهم بصوت مرتجف.
وعندما انتهت، قالت حفيدتها الصغيرة:
"كأن خالي كان هنا معنا."
ابتسمت أم أحمد وسط دموعها وقالت:
"الناس يرحلون أحياناً، لكن كلماتهم تبقى لتضيء الطريق."
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت الرسالة تُقرأ في كل مناسبة عائلية، لا كذكرى للحزن، بل كتذكير بأن المحبة الصادقة تستطيع أن تعبر الزمن، وأن بعض الكلمات تظل حية حتى بعد مرور عشرات السنين.
كانت أم أحمد تقول دائماً:
"هناك رسائل تصل في موعدها، وهناك رسائل تصل عندما يحتاجها القلب تماماً."
وبالنسبة لها، كانت تلك الرسالة الأخيرة هي أثمن ما امتلكته في حياتها كلها.