- هذه المادة مصنفة كـ قصة ميدانية.
- وقت القراءة التقريبي: 1 دقيقة.
- عدد الكلمات التقريبي: 0.
- تتضمن صورة داعمة للسرد البصري.
لم يعد أبو خالد يسأل أبناءه إن كانوا قد أغلقوا باب البيت قبل النوم. صار يسألهم إن كانت خزانات المياه ممتلئة، وإن كانت الهواتف مشحونة، وإن كان أحدهم قد بقي مستيقظًا قرب النافذة المطلة على الطريق الترابي المؤدي إلى القر...
لم يعد أبو خالد يسأل أبناءه إن كانوا قد أغلقوا باب البيت قبل النوم.
صار يسألهم إن كانت خزانات المياه ممتلئة، وإن كانت الهواتف مشحونة، وإن كان أحدهم قد بقي مستيقظًا قرب النافذة المطلة على الطريق الترابي المؤدي إلى القرية.
في الماضي، كان الليل في قريتهم يعني الهدوء. كانت أصوات الأغنام تخفت تدريجيًا، وتغلق النساء أبواب البيوت، ويجلس الرجال لشرب الشاي بعد يوم طويل في الأرض.
أما اليوم، فقد أصبح الليل موعدًا لاحتمال وصول المستوطنين.
يقع منزل أبي خالد عند أطراف قرية فلسطينية صغيرة، بين التلال وحقول الزيتون. بُني البيت قبل عشرات السنين، وتحتفظ جدرانه بصور الآباء والأجداد، وبمفتاح قديم لبيت تركته العائلة في النكبة.
لم يكن البيت كبيرًا، لكنه كان كل ما تملكه الأسرة.
في إحدى الليالي، استيقظ خالد على نباح الكلاب.
فتح النافذة قليلًا، فرأى أضواء مركبات تتحرك ببطء فوق التلة. لم يحتج إلى وقت طويل ليفهم ما يحدث. أيقظ والده، ثم أطفأ أنوار البيت حتى لا يظهر من بداخله.
وقفت أم خالد في منتصف الغرفة، تضم طفلتها الصغيرة إلى صدرها. أما الأب، فتقدم نحو الباب وهو يردد بصوت منخفض:
«لا أحد يخرج».
وصلت المركبات إلى أطراف القرية، ثم انتشر عدد من المستوطنين بين البيوت والأراضي. كان بعضهم ملثمًا، وبعضهم يحمل السلاح والعصي. بدأت الحجارة تضرب النوافذ، ثم سُمع صوت تحطم زجاج سيارة كانت متوقفة أمام أحد المنازل.
بعد دقائق، ظهر ضوء النار.
اشتعلت مركبة الجيران أولًا، ثم امتدت النيران إلى مخزن صغير للأعلاف. ارتفع صراخ النساء، وخرج بعض الشبان محاولين إطفاء الحريق وإبعاد المهاجمين عن البيوت.
لكن المستوطنين لم يأتوا لإخافة السكان فقط.
كانوا يعرفون ما يريدون تحطيمه.
كسروا خزانات المياه، وأتلفوا ألواح الطاقة الشمسية، وهاجموا حظائر الأغنام، ثم توجهوا نحو أشجار الزيتون القريبة من المنازل.
في الصباح، اكتشف أبو خالد أن عشرات الأشجار قد قُطعت.
كانت بينها شجرة زرعها والده يوم وُلد خالد.
جلس الرجل إلى جوار جذعها الملقى على الأرض، ومد يده على أغصانها اليابسة كما لو كان يودع شخصًا من أفراد عائلته.
قال خالد محاولًا تهدئته:
«بنزرع غيرها يا أبي».
لكن الأب لم يرفع رأسه.
كان يعرف أن شجرة الزيتون تحتاج سنوات طويلة حتى تكبر وتثمر، وكان يعرف أيضًا أن قطع الأشجار لم يكن تخريبًا عشوائيًا.
كان رسالة.
ارحلوا من هنا.
لم تكن تلك الليلة الحادثة الأولى.
قبلها بأسابيع، مُنع الرعاة من الوصول إلى المراعي التي استخدموها منذ أجيال. وفي يوم آخر، اقترب مستوطنون من بئر المياه، ثم أعلنوا أن المنطقة أصبحت تابعة لبؤرة استيطانية جديدة أقيمت فوق التلة.
بدأت البؤرة بخيمة.
بعد أيام، وصلت إليها مركبة، ثم مولد كهربائي، ثم طريق ترابي. وبعد فترة قصيرة، صار سكان القرية هم الذين يُعاملون كغرباء عند محاولتهم الوصول إلى أراضيهم.
وفي كل مرة حاولوا الاعتراض، ظهرت قوات الاحتلال.
كان الجنود يقفون بين الأهالي والمستوطنين، لكن وجوه بنادقهم كانت تتجه غالبًا نحو الفلسطينيين.
كان المستوطن يستطيع الاقتراب من المنزل والسياج والحقل، بينما يُطلب من صاحبه الفلسطيني أن يتراجع.
يُعتقل الشاب الذي يحاول الدفاع عن أرضه، ويُحقق مع صاحب البيت، أما المعتدي فيغادر المكان أو يُنقل بعيدًا من دون أن يعرف الأهالي إن كان سيُحاسب.
وبمرور الوقت، فهم أبو خالد أن الهدف لا يقتصر على حادثة هنا أو اعتداء هناك.
الهدف أن تصبح الحياة مستحيلة.
أن يخاف الأطفال من الذهاب إلى المدرسة.
أن تتوقف العائلة عن إرسال الأغنام إلى المراعي.
أن يعجز المزارع عن الوصول إلى أشجاره.
أن تنقطع المياه بعد تحطيم الخزانات والأنابيب.
وأن يستيقظ الناس كل يوم وهم يسألون أنفسهم: هل نستطيع البقاء ليلة أخرى؟
كانت ليان، ابنة خالد، في التاسعة من عمرها.
قبل الاعتداءات، كانت ترسم البيت والأشجار والشمس. أما بعد تلك الليلة، فقد تغيرت رسوماتها.
أصبحت ترسم رجالًا ملثمين، ونوافذ محطمة، وسيارة تحترق قرب المنزل.
سألتها معلمتها يومًا:
«لماذا ترسمين السماء باللون الأسود؟»
أجابت الطفلة:
«لأنهم بيجوا بالليل».
بدأت ليان تستيقظ مذعورة كلما سمعت صوت سيارة. لم تعد تنام وحدها، وصارت تضع حذاءها قرب الفراش، حتى تكون مستعدة للهروب بسرعة.
سألت والدها ذات مساء:
«لو حرقوا بيتنا، وين بنروح؟»
لم يعرف خالد ماذا يقول.
نظر إلى أبيه، فوجده يراقب من النافذة الطريق المؤدي إلى التلة.
قال للطفلة:
«ما رح نترك بيتنا».
لكن صوته لم يكن واثقًا كما أراد.
في القرى والتجمعات الفلسطينية الأخرى، تكررت القصة بأشكال مختلفة.
هنا أُحرقت منازل ومركبات.
وهناك هوجم مزارعون أثناء قطف الزيتون.
وفي قرية أخرى، اقتحم مستوطنون مسجدًا أو حاولوا إحراقه.
وفي التجمعات البدوية والرعوية، تحولت الاعتداءات اليومية، ومنع الوصول إلى المياه والمراعي، والتهديد المستمر، إلى وسيلة لدفع عائلات كاملة إلى الرحيل.
وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قرابة 1,485 اعتداءً للمستوطنين خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، شملت اعتداءات أوقعت إصابات أو أضرارًا بالممتلكات أو الاثنين معًا. كما أفاد المكتب بأن متوسط اعتداءات المستوطنين التي تسببت في إصابات أو أضرار بلغ نحو ستة اعتداءات يوميًا خلال عام 2026.
ولم تعد الاعتداءات مرتبطة بموسم محدد. لكنها تتصاعد عادة خلال موسم قطف الزيتون، حين يحاول الفلسطينيون الوصول إلى أراضيهم. وبين الأول والسابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2025 وحده، وثقت الأمم المتحدة 126 اعتداءً مرتبطًا بموسم الزيتون، شملت الاعتداء على المزارعين، وسرقة المحاصيل والمعدات، وتخريب الأشجار.
وفي بعض المناطق، لم يعد الخوف مجرد شعور.
أصبح تهجيرًا فعليًا.
فمنذ بداية عام 2023، تعرضت عشرات التجمعات الفلسطينية للتهجير الكامل أو الجزئي نتيجة اعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والمياه والمراعي. وحتى نيسان/أبريل 2026، كانت 45 جماعة سكانية تضم أكثر من 3,500 شخص قد هُجرت بالكامل، فيما شهدت عشرات التجمعات الأخرى تهجيرًا جزئيًا.
وتقول الأمم المتحدة إن عنف المستوطنين أصبح أحد أبرز أسباب إصابة الفلسطينيين وتهجيرهم خلال عام 2026، ولا سيما في التجمعات البدوية والرعوية الواقعة في المنطقة المصنفة «ج».