- هذه المادة مصنفة كـ قصة ميدانية.
- وقت القراءة التقريبي: 1 دقيقة.
- عدد الكلمات التقريبي: 0.
- تتضمن صورة داعمة للسرد البصري.
في خربة أمّ الخير، لا يبدأ الصباح بصوت المنبّه. يبدأ بمراقبة التلال. يفتح أحد أفراد عائلة الهذالين باب البيت، ينظر نحو الطريق الترابي، ثم نحو البيوت المقامة فوق التلة المقابلة. يتأكد من أن الأغنام ما زالت في حظيرته...
في خربة أمّ الخير، لا يبدأ الصباح بصوت المنبّه.
يبدأ بمراقبة التلال.
يفتح أحد أفراد عائلة الهذالين باب البيت، ينظر نحو الطريق الترابي، ثم نحو البيوت المقامة فوق التلة المقابلة. يتأكد من أن الأغنام ما زالت في حظيرتها، وأن خزان المياه لم يُثقب، وأن جرافة جديدة لم تصل خلال الليل.
هناك، في جنوب الخليل، تعيش العائلة في بيوت بسيطة بين الصخور والتراب. لا تحيط بها الحدائق الواسعة، ولا تصل إليها المياه والكهرباء كما تصل إلى المستوطنة المجاورة، لكن أبناءها يرون فيها أكثر من مكان للسكن.
يرون فيها ما بقي لهم من الوطن.
انتقلت عائلة الهذالين إلى المنطقة بعد اقتلاعها من أرضها في النقب خلال النكبة. بنت خيامها أولًا، ثم أقامت بيوتًا متواضعة، وربّت الأغنام، وزرعت ما استطاعت من الأرض.
كبر الأبناء وهم يسمعون الحكاية نفسها:
«جئنا إلى هنا بعدما طُردنا من هناك، ولن نُطرد مرة أخرى».
لكن البقاء لم يكن سهلًا.
كبرت مستوطنة كرمئيل إلى جوار أمّ الخير، واقتربت مبانيها وطرقها من بيوت العائلة. وفي مقابل المنازل الحديثة والبنية التحتية الكاملة، ظل الفلسطينيون يواجهون أوامر الهدم والمنع من البناء، حتى حين يتعلق الأمر بغرفة صغيرة أو مظلة تحمي الأغنام من الشمس.
كانت الجرافات تأتي فجأة.
يستيقظ الأطفال على أصوات المحركات، ويخرج الرجال والنساء من بيوتهم، ثم يقفون عاجزين أمام آليات تهدم ما بنوه بأيديهم.
كانوا يعيدون البناء في كل مرة.
يُهدم البيت، فيُرفع سقفه من جديد.
تُهدم الحظيرة، فتُجمع قطع الصفيح ويعاد تثبيتها.
يُكسر الفرن الطيني، فتصنع النساء فرنًا آخر.
كان كل بناء جديد إعلانًا صغيرًا بأن العائلة ما زالت هنا.
من بين أبناء العائلة، كان عودة الهذالين يعرف كيف يحوّل ألم القرية إلى كلمات يفهمها العالم.
كان معلّمًا للغة الإنجليزية، وأبًا لثلاثة أطفال، وناشطًا يوثق الاعتداءات التي تتعرض لها أمّ الخير والتجمعات الفلسطينية في مسافر يطا.
لم يكن يحمل سلاحًا.
كان يحمل هاتفًا.
كان يصوّر الجرافات عندما تهدم البيوت، ويترجم شهادات النساء وكبار السن، ويشرح للصحفيين والمتضامنين كيف تعيش عائلته إلى جوار مستوطنة تتوسع يومًا بعد يوم.
حين كان الزوار يأتون إلى أمّ الخير، كان عودة يستقبلهم بابتسامته. يأخذهم بين البيوت، ويشير إلى ركام منزل هُدم، أو إلى شجرة جرى اقتلاعها، أو إلى طريق أصبح المرور فيه خطرًا على أبناء القرية.
كان يؤمن بأن التوثيق قد لا يوقف الجرافة في اللحظة ذاتها، لكنه يمنع العالم من القول إنه لم يعرف.
وفي المساء، يعود إلى أطفاله.
ربما يسألونه لماذا يذهب الغرباء إلى بيتهم، ولماذا يصور الناس الحظائر والطرقات، ولماذا يقف الجنود أحيانًا عند مدخل القرية.
كان يحاول أن يشرح لهم من دون أن يحمّل طفولتهم كل هذا الخوف.
لكن الأطفال كانوا يرون أكثر مما يُقال لهم.
كانوا يعرفون أن والدهم يبقى مستيقظًا عندما يسمع صوت مركبة قادمة من جهة المستوطنة.
ويعرفون أنه يحمل هاتفه بسرعة كلما اقتربت جرافة من المنازل.
في الثامن والعشرين من تموز عام 2025، لم يكن ذلك اليوم مختلفًا في بدايته عن أيام التوتر الكثيرة التي عاشتها العائلة.
وصلت آلية ثقيلة يقودها مستوطن إلى المنطقة القريبة من بيوت أمّ الخير، وبدأت أعمال تجريف في الأرض.
خرج أفراد العائلة وسكان القرية للاعتراض.
بالنسبة إليهم، لم تكن الجرافة مجرد آلة تحرك التراب. كانوا قد تعلّموا أن الطريق الذي يُشق اليوم قد يتحول غدًا إلى حدود تمنعهم من الوصول إلى أرضهم، وأن التلة التي تُسوّى اليوم قد تصبح بؤرة جديدة بعد أيام.
ارتفعت الأصوات.
تجمع الرجال والنساء، ووقف الأطفال بالقرب من البيوت يراقبون ما يحدث. حمل عودة هاتفه وبدأ يصوّر، كما فعل مرات كثيرة من قبل.
ثم ظهر السلاح.
تطور التوتر خلال لحظات، وأطلق مستوطن النار في المكان.
أصابت رصاصة عودة.
سقط المعلّم الذي اعتاد أن يحمل الكاميرا شاهدًا على الاعتداءات. هذه المرة، أصبح هو الحدث الذي سترويه الكاميرات.
ركض أفراد العائلة نحوه.
حاولوا إنقاذه، ونُقل مصابًا، لكن الرصاصة كانت قد أنهت حياته.
في تلك اللحظة، لم تفقد أمّ الخير ناشطًا فقط.
فقدت زوجةٌ زوجها، وفقد ثلاثة أطفال والدهم، وفقدت أمّ ابنها، وفقدت قرية صغيرة أحد أكثر أصواتها حضورًا.
عاد أفراد العائلة إلى البيت من دونه.
كانت متعلقاته في مكانها.
هاتفه، وثيابه، والمقعد الذي اعتاد الجلوس عليه، وألعاب أطفاله القريبة منه.
ربما كان أصعب ما في الغياب أن الأشياء لم تفهم أن صاحبها لن يعود.
انتظر الأطفال أن يُفتح الباب.
انتظرت الزوجة أن تسمع صوته.
وانتظرت والدته أن تحتضن جثمان ابنها وتودعه.
لكن حتى هذا الحق البسيط لم يُمنح للعائلة مباشرة.
احتجزت السلطات الإسرائيلية جثمان عودة، وفرضت شروطًا على موعد دفنه ومكانه وأعداد المشاركين في جنازته.
تحول حزن العائلة إلى معركة جديدة.
لم تكن تطالب بتحقيق حلم كبير، بل بأن يُعاد ابنها، وأن يُدفن في أرضه، وبين أهله، وبالطريقة التي تليق به.
جلست نساء عائلة الهذالين في بيت بسيط، وبدأن إضرابًا عن الطعام.
كانت بينهن زوجته ووالدته وقريباته ونساء من القرية.
كانت أجسادهن مرهقة، لكنهن رفضن تناول الطعام قبل عودة الجثمان. لم يكن الإضراب مجرد احتجاج؛ كان رسالة تقول إن العائلة لن تسمح بأن يُنتزع عودة منها مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بمنعها من وداعه.
جلست زوجته بين أطفالهما.
كان أحدهم يسأل متى سيعود والده.
لم تكن تملك إجابة يستطيع طفل أن يفهمها.
كيف تشرح له أن والده قُتل وهو يصور جرافة؟
وكيف تقول إن الجثمان ما زال محتجزًا؟
وكيف تطلب منه أن يتوقف عن انتظار صوت مفتاح أبيه عند الباب؟
بعد أيام من الاحتجاج والانتظار، أعيد جثمان عودة.
دخل إلى أمّ الخير محمولًا على الأكتاف، بعدما خرج منها واقفًا يحمل هاتفه.
تجمّع أهله حوله، وارتفعت الأصوات بالبكاء والدعاء. كان الرجال الذين اعتادوا الوقوف إلى جانبه في مواجهة الهدم يحملونه نحو قبره، بينما سارت النساء خلفه، وبينهن أم تعرف أنها تدفن ابنًا كان يحاول حماية بيتها.
دُفن عودة قريبًا من الأرض التي عاش يدافع عنها.
لكن الجنازة لم تنه الحكاية.
في اليوم التالي، بقيت المستوطنة في مكانها.
وبقيت الجرافات قادرة على العودة.
وبقيت العائلة مهددة بالهدم والتهجير.
أما أطفال عودة، فكان عليهم أن يتعلموا كيف يواصلون حياتهم في المكان ذاته الذي شهد مقتل أبيهم.
منذ ذلك اليوم، أصبح بيت عودة يحمل غيابًا لا يمكن إصلاحه.
في إحدى الزوايا، بقيت صورته.
يقترب منها أطفاله، يشاهدون وجهه، ويسمعون من الكبار قصصًا عنه: كيف كان معلّمًا، وكيف كان يتحدث مع الناس بلغتهم، وكيف كان يصور الاعتداءات، وكيف كان يرفض أن تمر معاناة أمّ الخير في صمت.
ربما لن يتذكر أصغر أطفاله كل تفاصيل صوته.
لكن القرية ستخبره.
ستقول له إن والده لم يمت لأنه هاجم أحدًا، بل لأنه وقف على أرضه يحمل هاتفًا.
وستقول له إن والدته وجدته ونساء العائلة خضن معركة بأجسادهن حتى عاد جثمانه.
وستقول له إن البيت الذي عاش فيه والده ما زال قائمًا، رغم كل شيء.
لا تختلف قصة عائلة الهذالين كثيرًا عن قصص عائلات فلسطينية أخرى تعيش في القرى والتجمعات المهددة.
اعتداء يبدأ بقطيع أغنام يُدفع نحو أرضهم.
ثم طريق يُشق دون موافقتهم.
ثم مستوطن مسلح يظهر قرب البيوت.
ثم تهديد، أو ضرب، أو إطلاق نار.
وبعد كل اعتداء، يُطلب من الفلسطينيين أن يثبتوا أنهم أصحاب الأرض، بينما يكفي المعتدي أن يأتي بسلاحه ليحاول فرض واقع جديد.
لكن عائلة الهذالين لم تغادر.
أعادت ترتيب البيت بعد العزاء، وعاد الرعاة إلى أغنامهم، وذهبت النساء إلى أعمالهن، وعاد الأطفال إلى مدارسهم.
كان الحزن حاضرًا، والخوف حاضرًا، لكن الحياة استمرت.
ليس لأن الألم انتهى، بل لأن الرحيل سيحقق ما أراده المعتدون.
حين تغرب الشمس عن أمّ الخير، تنعكس أشعتها على الصخور والبيوت البسيطة. تقف عائلة عودة أمام بيتها، وتنظر نحو التلال التي حاول كثيرون إبعادها عنها.
هناك طفل فقد أباه.
وامرأة فقدت زوجها.
وأم دفنت ابنها.
لكن هناك أيضًا عائلة كاملة تقول بصمتها وبقائها:
استشهد عودة، لكن بيته لم يسقط.
غاب صوته، لكن حكايته لم تصمت.
وأرض الهذالين، التي دفعوا ثمن البقاء فيها ألمًا ودمًا، ما زال أهلها يتمسكون بها، لأنهم يعرفون أن الرحيل عنها ليس انتقالًا من بيت إلى آخر، بل اقتلاع جديد لا يريدون أن يعيشوه مرة أخرى.