- هذه المادة مصنفة كـ قصة ميدانية.
- وقت القراءة التقريبي: 1 دقيقة.
- عدد الكلمات التقريبي: 0.
- تتضمن صورة داعمة للسرد البصري.
في صباح يوم الجمعة، الرابع والعشرين من تموز/يوليو 2026، كانت الحياة تسير بهدوئها المعتاد في بلدة تل، الواقعة جنوب غرب مدينة نابلس. بلدة فلسطينية تحيط بها الأراضي الزراعية، ويعرف أهلها قيمة كل شجرة وكل حجر فيها، لم تكن تع...
في صباح يوم الجمعة، الرابع والعشرين من تموز/يوليو 2026، كانت الحياة تسير بهدوئها المعتاد في بلدة تل، الواقعة جنوب غرب مدينة نابلس. بلدة فلسطينية تحيط بها الأراضي الزراعية، ويعرف أهلها قيمة كل شجرة وكل حجر فيها، لم تكن تعلم أن ساعات قليلة ستجعل اسمها حاضرًا في نشرات الأخبار، وأن يومها العادي سيتحول إلى واحد من أكثر الأيام ألمًا في تاريخها.
بدأت الأحداث عندما وصلت مجموعة من المستوطنين المسلحين إلى الجهة الشرقية من البلدة، واعتدت على أراضي المواطنين وممتلكاتهم. خرج الأهالي لمنعهم من التقدم وحماية أراضيهم، وتمكنوا في البداية من دفعهم إلى التراجع.
لكن التراجع لم يكن نهاية الهجوم.
بعد نحو نصف ساعة، عاد المستوطنون بأعداد أكبر، وهذه المرة ترافقهم آليات تابعة لجيش الاحتلال. وانتقل الهجوم إلى الجهة الغربية من تل، بالقرب من البؤرة الاستيطانية المعروفة باسم «حفات جلعاد». ومع اقتراب المهاجمين من أراضي البلدة ومنازلها، خرج المواطنون مجددًا للدفاع عن أنفسهم وعائلاتهم.
كان الأهالي في مواجهة مستوطنين مسلحين، بينما انتشرت قوات الاحتلال في المكان. وبدأت المشادات والصدامات بالأيدي من مسافة قريبة، ثم دوّى إطلاق النار، وتحول المكان خلال لحظات إلى ساحة من الفوضى والخوف.
وسط هذا المشهد، كان المواطن فاروق عدنان علي رمضان حاضرًا بين أبناء بلدته. وتفيد الروايات الفلسطينية والمشاهد المنشورة بأن فاروق كان أعزل عندما دخل في اشتباك مباشر مع أحد المهاجمين وتمكن من انتزاع سلاحه.
لم تكن المواجهة بالنسبة إليه معركة مخططًا لها، بل لحظة مفاجئة وجد فيها نفسه، وفق الرواية الفلسطينية، أمام مهاجمين مسلحين وصلوا إلى أرض بلدته. أمسك بالسلاح الذي انتزعه وأطلق النار خلال المواجهة، ما أدى إلى مقتل إسرائيليين عرّفتهما التقارير الإسرائيلية بأنهما عسكريان، أحدهما برتبة رائد، وإصابة آخرين.
بعد ذلك تدخلت قوات الاحتلال بكثافة، وأطلقت النار باتجاه الفلسطينيين. وعندما هدأ صوت الرصاص، كانت بلدة تل قد فقدت أربعة من أبنائها، جميعهم من عائلة رمضان:
فاروق عدنان علي رمضان،
إبراهيم حسين علي رمضان،
جواد حسين علي رمضان،
وعمران أحمد علي رمضان.
كما أُصيب ثلاثة فلسطينيين آخرين، ووصفت إصاباتهم في التقارير الأولية بأنها خطيرة.
في ساعات قليلة، تحولت أرض البلدة إلى مكان يحمل آثار الدم والرصاص. وبدأت العائلات تبحث عن أبنائها، بينما انتشر خبر استشهاد الشبان الأربعة بين المنازل. لم تكن الخسارة لشخص أو لبيت واحد؛ فالشهداء الأربعة من عائلة واحدة، وبينهم الشقيقان إبراهيم وجواد، ولذلك دخل الحزن إلى كل زاوية من زوايا البلدة.
لكن المأساة لم تتوقف عند انتهاء إطلاق النار.
بعد الحادثة فرضت قوات الاحتلال قيودًا مشددة على تل ومحيط نابلس. وأقيمت الحواجز وأُغلقت الطرق، وبدأت إجراءات أمنية واسعة بذريعة البحث والتحقيق في تفاصيل ما جرى.
وفي فجر اليوم التالي، اقتحمت قوات الاحتلال البلدة بأعداد كبيرة. انتشر الجنود بين المنازل، وداهموا بيوت المواطنين، وأخرجوا بعض السكان للتحقيق الميداني، واعتقلوا ما لا يقل عن ثلاثين مواطنًا من أبناء تل خلال حملة واحدة. كما خضع عشرات آخرون للاستجواب والتنكيل داخل البلدة.
وفي الوقت الذي كانت فيه العائلات تستعد لتوديع أبنائها، فرض الاحتلال قيودًا على الجنازة، وحدد أعداد المشاركين فيها. ولذلك جرى تشييع جثامين الشهداء الأربعة قرابة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، في جنازة محدودة، لم يتمكن جميع أبناء البلدة من المشاركة فيها.
خرج عدد من الأهالي في الظلام يحملون جثامين أبنائهم الأربعة، وساروا بهم إلى مثواهم الأخير تحت القيود العسكرية. لم تكن هناك جنازة جماهيرية تليق بحجم الفاجعة، ولم يُسمح للبلدة بأن تودع أبناءها كما أرادت.
وفي الأيام التالية، استمرت الاقتحامات والاعتقالات والإجراءات العقابية. وداهمت القوات منازل عائلة رمضان، كما تحدثت تقارير محلية عن أخذ قياسات منزلين في البلدة، في خطوة تُستخدم عادة تمهيدًا لاحتمال هدمهما.
وبالتزامن مع ذلك، بدأت روايتان مختلفتان لما جرى تنتشران في وسائل الإعلام.
قدمت الرواية الإسرائيلية الحادثة باعتبارها هجومًا فلسطينيًا على إسرائيليين، بينما قالت الرواية الفلسطينية إن المستوطنين هم الذين اقتحموا أراضي البلدة مسلحين، وإن أهالي تل خرجوا للدفاع عن بيوتهم وأراضيهم. وقد أقر الجيش الإسرائيلي لاحقًا بأن بعض الإسرائيليين الموجودين في المكان كانوا مسلحين، وأن تبادلًا لإطلاق النار وقع قبل تدخل قواته.
أصبح فاروق رمضان محورًا أساسيًا في هذه الرواية. ففي الإعلام الفلسطيني قُدمت قصته بوصفها قصة مواطن أعزل وجد نفسه في مواجهة مهاجم مسلح، فانتزع سلاحه ودافع عن نفسه وعن أبناء بلدته. وفي المقابل، حاول الإعلام الإسرائيلي تصويره باعتباره المهاجم، متجاهلًا السياق الذي بدأت فيه الأحداث بوصول المستوطنين المسلحين إلى أراضي تل.
وهكذا لم تنته قصة تل في اللحظة التي صمت فيها الرصاص.
فقد ترك الهجوم أربعة شهداء، وعددًا من الجرحى، وعشرات المعتقلين، وبلدة كاملة تعيش تحت الاقتحامات والتهديد بالإجراءات العقابية. كما ترك أسئلة كبيرة عن حماية المدنيين الفلسطينيين، وعن انتشار السلاح بين المستوطنين، وعن الدور الذي تؤديه قوات الاحتلال عند وقوع اعتداءات على البلدات الفلسطينية.
أما أهالي تل، فقد بقيت روايتهم واضحة: لم يذهبوا إلى مستوطنة، ولم يقتحموا أرضًا خارج بلدتهم. كانوا داخل أرضهم وبين منازلهم عندما وصل المهاجمون.
ولهذا أصبحت قصة تل أكبر من حادثة إطلاق نار.
إنها قصة بلدة فلسطينية استيقظت في صباح عادي، فوجدت نفسها مطالبة بالدفاع عن أرضها. وقصة أربعة شبان خرجوا لحماية بيوتهم ولم يعودوا إليها. وقصة عائلات لم تحصل حتى على حقها الكامل في وداع أبنائها.
في تل، لم يبقَ ذلك اليوم مجرد تاريخ مكتوب في التقويم.
أصبح الرابع والعشرون من تموز/يوليو 2026 يومًا محفورًا في ذاكرة البلدة؛ يومًا بدأ بهجوم على الأرض، وانتهى بأربعة قبور جديدة، وبحكاية ستظل تُروى عن فاروق وإبراهيم وجواد وعمران، وعن بلدة صغيرة وقفت أمام السلاح وهي تحاول حماية بيتها.